محمد هادي معرفة

53

التمهيد في علوم القرآن

الكتب قد حرّفت عن أصلها الصحيح النازل من عند اللّه ، ولكنّهم يقولون بأنّ الشخصيّة الباطنة لكلّ رسول إنّما تؤتي صاحبها بالمعلومات على قدر درجة تجلّيها وعبقريّتها ، وعلى قدر استعداده لقبول آثارها ومن ثم قد تختلط معارفها العالية بمعارف باطلة آتية من قبل شخصيّته العاديّة ، فيقع في الوحي خلط كثير بين الغثّ والسمين ، فترى بجانب الأصول العالية التي لم يعرفها البشر إلى ذلك الحين ، أصولا أخرى عاميّة اصطلح عليها الناس إلى ذلك الزمان « 1 » . * * * وبعد : فإذا ما أخضعتهم الحقيقة العلميّة ، على طريقة تجريبيّة قاطعة ، بأنّ وجود الإنسان الحقيقيّ هو شخصيّته الثانية القابعة وراء هذا الجسد ، وأنّه يبقى خالدا بعد فناء الجسد ، فما عساهم امتنعوا من الاعتراف بحقيقة الوحي كما هي عند المسلمين ؟ ! لا شكّ أنّ ما وصلوا إليه خطوة كبيرة نحو الواقعيّة ، لا نزال نقدّرها تقديرا علميّا ، لكنّها بلا موجب توقّفت أثناء المسير ودون أن تنتهي إلى الشوط الأخير . إنّ منار العلم وضوء الحقيقة قد هدياهم إلى الدرب اللائح ، وكادوا يلمسون الحقيقة مكشوفة بعيان ، فوجدوا وراء هذا العالم عالما آخر مليئا بالعقول . ووجدوا من واقع الإنسان شخصيّة أخرى وراء شخصيّته الظاهرة : فهاتان مقدّمتان أذعنوا لهما ، وقد أشرفتا بهم على الاستنتاج الصحيح وصاروا منه قاب قوسين أو أدنى ، لكنهم بلا موجب توقّفوا ، وأنكروا حقيقة كانوا على وشك لمسها . فعلى ضوء هاتين المقدّمتين ، لا مبرّر لعدم فهم حقيقة اتّصال روحيّ خفيّ يتحقّق بين ملأ أعلى وجانب روحانيّة هذا الإنسان . فيتلقّى بروحه إفاضات تأتيه من ملكوت السماء وإشراقات نوريّة تشعّ على نفسه من عالم وراء هذا

--> ( 1 ) راجع دائرة معارف القرن العشرين : ج 10 ص 715 ، فيما نقله عن العلّامة « ميرس - MYers » من كتابه « الشخصيّة الإنسانيّة » : ص 77 فما بعد .